الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
187
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التوبيخ على الإعراض عن النبأ العظيم ، وحجة على تحقق النبأ بسبب أنه موحى به من اللّه وليس للرسول صلّى اللّه عليه وسلم سبيل إلى عمله لولا وحي اللّه إليه به . وذكر فعل كانَ دال على أن المنفي علمه بذلك فيما مضى من الزمن قبل أن يوحى إليه بذلك كما قال تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل عمران : 44 ] وقوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ القصص : 44 ] . والباء في قوله : بِالْمَلَإِ الْأَعْلى على كلا المعنيين للنبإ ، لتعدية عِلْمٍ لتضمينه معنى الإحاطة ، وهو استعمال شائع في تعدية العلم . ومنه ما في حديث سؤال الملكين في « الصحيح » فيقال له : ما علمك بهذا الرجل . ويجوز على المعنى الثاني في النبأ أن تكون الباء ظرفية ، أي ما كان لي علم كائن في الملأ الأعلى ، أي ما كنت حاضرا في الملأ الأعلى فهي كالباء في قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [ القصص : 44 ] . والملأ : الجماعة ذات الشأن ، ووصفه ب الْأَعْلى لأن المراد ملأ السماوات وهم الملائكة ولهم علوّ حقيقي وعلوّ مجازيّ بمعنى الشرف . و إِذْ يَخْتَصِمُونَ ظرف متعلق بفعل ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ أي حين يختصم أهل الملأ الأعلى على أحد التأويلين ، أي في حين تنازع الملائكة وإبليس في السماء . والتعبير بالمضارع في موضع المضيّ لقصد استحضار الحالة ، أو حين يختصم الطاغون وأتباعهم في النار بين يدي الملأ الأعلى ، أي ملائكة النار أو ملائكة المحشر ، والمضارع على أصله من الاستقبال . والاختصام : افتعال من خصمه ، إذا نازعه وخالفه فهو مبالغة في خصم . وجملة إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ مبيّنة لجملة ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ، أي ما علمت بذلك النبأ إلا بوحي من اللّه وإنما أوحى اللّه إليّ ذلك لأكون نذيرا مبينا . وقد ركّبت هذه الجملة من طريقين للقصر : أحدهما طريق النفي والاستثناء ، والآخر طريق أَنَّما المفتوحة الهمزة وهي أخت ( إنما ) المكسورة الهمزة في معانيها التي منها إفادة الحصر ، ولا التفات إلى قول من نفوا إفادتها الحصر فإنها مركبة من ( أنّ ) المفتوحة الهمزة و ( ما ) الكافّة وليست ( أنّ ) المفتوحة الهمزة إلا ( إن ) المكسورة تغيّر كسرة همزتها